الجمعة، 26 أبريل 2013

علماء الدين: فتوى قتل المعارضين السياسيين. باطلة

أثارت فتوى الدكتور محمود شعبان مدرس البلاغة بجامعة الأزهر، والتى طالبت بقتل المعارضين الذين ينشرون فى الأرض الفساد ويحرضون على تخريب البلاد من أعضاء جبهة الإنقاذ، ردود أفعال غاضبة وعاتية فى المؤسسات الدينية ووسائل الإعلام، وإذا كان مجمع البحوث الإسلامية ودار الإفتاء ورموز القوى والأحزاب السياسية من مختلف التيارات، استنكرت ما جاء فى الفتوى جملة وتفصيلا، فان علماء الدين يؤكدون أن صاحب الفتوى المثيرة للجدل لا تتوافر فيه شروط الاجتهاد فى أمور الدين، وان فتواه باطلة، ويحذرون من اتباع تلك الفتاوى المثيرة للجدل، وفى السطور التالية يكشف علماء الدين عن عصمة الدماء فى الإسلام، وحق ولى الأمر وحده دون غيره من عامة المسلمين فى أمر الإحالة إلى القضاء وإنفاذ القانون والتصدى لحالات الاعتداء وترويع الآمنين.
يقول الدكتور محمد سعدى الأستاذ بجامعة الأزهر وعضو الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين: أمر الدماء عظيم جدا فى الشريعة الإسلامية، ومن القواعد المستقرة عند علمائنا أن الأصل فى الأشياء هى الحل، والحرمة عارضة لا تثبت إلا بدليل، عدا الفروج والدماء فإن الأصل فيها الحرمة، والإباحة عارضة لا تثبت إلا بموجب، والحكم على الناس بالقتل، وإهدار دمائهم، من صلاحيات القضاة فحسب، وهذا واجبهم الذى لا ينازعهم فيه أحد كائنًا من كان، وليس من حق أى أحد، أو من حق أنصاف المتعلمين، أو المنتسبين إلى العلم، والذين ينقصهم الفقه فى الدين، ليس من صلاحياتهم أن يقيموا أنفسهم قضاة يحكمون على الناس ويهدرون دمائهم، لأنَّ هذا يلزم منه الفساد والفوضى، ويلزم منه حدوث الثَّارات والفتن، وفى هذا من المفاسد الكبيرة والأهوال الشديدة ولا توجد فيها أدنى مصلحة، وكل الدماء معصومة، والحكم بقتل النفس هو حكمٌ شرعى من أحكام ديننا الحنيف له أسبابه وضوابطه وشروطه وموانعه وآثاره، ولا يصح أبدًا مجاوزة الحد فيه، ولا يقوم به إلا القاضى الذى أقامه الحاكم لكى ينظر فى القضايا التى تعرض أمامه، والحكم بإهدار الدماء من أخطر الأحكام فى الشرع، إذ يترتب على هذا الحكم الكثير من الأحكام الشرعية، إلا الدماء التى أهدرها أصحابها لجرائم ارتكبوها، فلا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كما جاء فى الصحيحين: عَنْ عبدالله قَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: وَالَّذِى لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ لاَ يَحِلُّ دَمُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنِّى رَسُولُ الله، إِلاَّ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ: التَّارِكُ الإِسْلاَمَ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ أَوِ الْجَمَاعَةَ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ. واللفظ للإمام مسلم.
وجاءت أحوال أخرى فى الشريعة أوجبت قتل غير هؤلاء الأصناف الثلاثة نذكر منهم على سبيل المثال الجاسوس الذى يدل العدو على المسلمين، وأيضا المرجعية فى تطبيق هذا الحكم على الأفراد هو القاضى الذى يجلس على منصة القضاء، ونصبه الحاكم، وليس هذا الأمر للأفراد أو الجماعات، وإنما هو من عمل الحاكم والذى يقوم به هو القاضى الذى نصبه الحاكم، لأن إقامة الحدود موكولة للحاكم منوطة به لا بغيره، وقد اتفق الفقهاء على أن الذى يقيم الحد هو الإمام أو نائبه، سواء كان الحد حقًّا لله تعالى كحد الزنا، أو لآدمى كحد القذف، لأنه يفتقر إلى الاجتهاد، ولا يؤمن فيه الحيف، فوجب أن يفوض إلى الإمام، ولأن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقيم الحدود فى حياته، وكذا خلفاؤه من بعده، ويقوم نائب الإمام فيه مقامه.
ومن الإشكاليات المهمة فى هذا الصدد فقه الدليل وتحقيق مناط الدليل، فمعنا دليل قطعى الثبوت، ولكن الفقه هو فى كيفية الاستدلال به، وكيفية تكييف النازلة والاستدلال بالدليل الصحيح، والجمع بين النصوص المختلفة والترجيح بينهما، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والخاص والعام، والتفرقة بين الأحوال والأشخاص، والتفرقة بين الأزمنة والأمكنة، وقاعدة وجوب الجمع بين الأدلة يتحقق بها سد ذريعة فساد كبير وشر مستطير. وسد الذرائع وإن كان ما يقوله يعتقد الآخر أنه خطأ فى الفكر فإنَّ الكلمة ترد بالكلمة والمقال يرد عليه بمقال، والخطبة يرد عليها بخطبة، والحلقة التليفزيونية يرد عليها بمثلها، وإن كان ما يقوله نابعا عن هوي، أو فكر خاص به، فإنه يرد عليه بما يدفع كلامه ويبطله ويدمغه، ولا يُصار إلى سلاح أو إلى إزهاق دماء معصومة، لأنه كما قال صلى الله عليه وسلم ورواه البخارى فى صحيحه من حديث ابن عمر: لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِى فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا، أما إذا خرج أحدهم ورفع السلاح وقاتل فإنَّ القوانين فى جميع بلاد العالم قد نظمت طريقة التعامل معه، وكيفية دفعه، لأنه فى هذه الحال يعدُّ مجرمًا خارجًا عن القانون، وليس مواطنًا صالحًا يتمتع بحقوق المواطن، والأمر فى هذا يعود إلى السلطات المختصة لا إلى عامة الأفراد.
وإذا نظرنا إلى المعارضين نجدهم أنهم انقسموا قسمين، قسم يعارض معارضة سلمية وهذا - فقها وقانونًا - لا يُتعرض له بما يؤذيه، وعليه أن يلتزم القوانين المنظمة للعمل السياسي، فهو مواطن له حقوق المواطن كافة وعليه واجبات المواطن، وعلى الدولة أن تقوم بدورها حياله، فتوفر له الحماية المطلوبة والأمن المنشود، لأن الأمن حق شخصى لكل إنسان، وتلتزم به الدولة تجاه رعاياها. القسم الثانى هو من يحمل السلاح ويروع الآمنين ويقطع الطرق، ويعيث فى الأرض فسادًا، فهذا لا يسمى معارضًا إنما الاسم الأليق به والأنسب إلى حاله أن يسمى بلطجيًّا، وينطبق عليه العقوبات التى قررها القانون، وقد حرص المشرع المصرى على تجريم البلطجة بموجب القانون رقم6 لسنة 1998 م، حيث أضاف باباً جديداً (هو الباب السادس عشر) وعنوانه: الترويع والتخويف (البلطجة)، وجاء فى المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون رقم 6 لسنة 1998 م: (قانون العقوبات قد اشتمل على نصوص تؤثم بعض الجرائم التى يكون استخدام القوة أو العنف أو التهديد أحد أركانها أو ملحوظاً فى ارتكابها، إلا أنها لم تعد كافية فى حد ذاتها للحد من هذه الظاهرة، إذ هى نصوص مقصورة على أنواع معينة من الجرائم من جهة، ولا تفرض لها العقوبات المناسبة لمواجهة الخطورة الكامنة فى مرتكبيها وردعهم من جهة أخري، فضلاً عن أن تصاعد هذه الظاهرة هو أمر طارئ وغريب على هذا المجتمع المسالم الآمن). والحكم على الناس بالقتل، وإهدار دمائهم، من صلاحيات القضاة فحسب، وهذا واجبهم الذى لا ينازعهم فيه أحد كائنًا من كان، وليس من حق أى أحد، أو من حق أنصاف المتعلمين، أو المنتسبين إلى العلم، والذين ينقصهم الفقه فى الدين، ليس من صلاحياتهم أن يقيموا أنفسهم قضاة يحكمون على الناس ويهدرون دماءهم، لأنَّ هذا يلزم منه الفساد والفوضى، ويلزم منه حدوث الثَّارات والفتن، وفى هذا من المفاسد الكبيرة والأهوال الشديدة ولا توجد فيها أدنى مصلحة.
أما الدكتور أحمد عرفات القاضى أستاذ ورئيس قسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة الفيوم فيقول: صاحب فتوى قتل المعارضين، رغم أنه مدرس بجامعة الأزهر، لكنه ليس متخصصًا فى العلوم الشرعية، ويجب تحويله للتحقيق من قبل جامعة الأزهر للقضاء على هذه الظاهرة التى أخشى أن تكون سببًا فى تفشى العنف، كما يجب قصر صعود المنابر للمتخصصين من رجال الأزهر فى العلوم الشرعية حتى لا تكون سببًا فى ظهور فوضى الفتاوى الشاذة التى بدأت تنتشر الآن فى المجتمع بلا ضابط ولا رابط، كما يجب تقييد الفتوى بمصادرها الشرعية وأهل الخبرة والثقة.

  المصدر: الأهرام اليومى بقلم:   جمال عبدالناصر
علماء الدين: فتوى قتل المعارضين السياسيين. باطلة 

 

ماذا نريد من المفتي الجديد؟




بسم الله الرحمن الرحيم
*بداية نستمطر سحائب رضوان الله تعالى على الرجال الذين تقلدوا منصب المفتي فما بدلوا وما غيروا ولم يخشوا في الله لومة لائم، ثم نهنأ المفتي الجديد بتقلده هذه المنصب، ونحن إذ نقدم إليه هذه التهاني والتبريكات بنيله ثقة هيئة كبار العلماء لنذكره بأهمية المسؤولية الملقاة على كاهله وذلك ببذل كل ما في وسعه لأن الناس ينظرون منك الخير الكثير، والآمال معقودة عليه إذ أنه أول مفت قد اختير عن طريق الاقتراع بين العلماء.
* أيها الشيخ الجليل نريد منك الفتوى الوسطية التي توازن بين الثوابت والمتغيرات فلا إفراط ولا تفريط، فالناس في حاجة إلى تبني منهج التيسير والاعتدال في الفتاوى، فالمفتي الحق هو من وسَّع على الناس ما ضاق عليهم دون مساس بالثوابت، وهناك كلمة لسيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ـ يقول فيها: ألا أخبركم بالفقيه كل الفقيه؟ من لم يوئس الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ألا لا خير في علم لا فقه فيه، ولا خير في فقه لا ورع فيه، ولا قراءة ولا تدبر فيها .
* نريد منك ألا تقحم ثوابت الدين في خضم الاختلافات الحزبية، والصراعات المذهبية التي تفرِّق الناس وتشرذمهم ولا تجمعهم، والاتحاد في ديننا واجب، فمن واجبكم السعي الجاد ماديا ومعنويا لتحقيق الوحدة، التي هي فريضة شرعية، وضرورة ملحة لقوة أمتنا.
* نريد منك تفعيلا لدور المفتي ودار الإفتاء في المجتمع، حتى تحقق الفاعلية المجتمعية، والريادة الحضارية، وسبيل هذا الاطلاع على المستجدات في جميع النواحي سواء السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، ودراسة النوازل الفقهية واستنباط الحكم الشرعي المناسب لها عن طريق الموائمة بين فقه الدين وفقه الحياة.
* نريد منك ألا تنتظر المستفتي لكي تبين الحكم الشرعي، ولكن واجبك يحتم عليك هو تبيين الحكم الشرعي للناس سواء سئلت عنه أم لم تسئل عنه، لأن المفتي كما قال سادتنا من أهل العلم قائم مقام النبي، فهو نائب عن النبي في تبليغ أحكام شريعته لأتباع ديانته، وأنهم يبلغون الحق ولا يخشون في الحق لومة لائم، قال تعالى: " الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا" [الأحزاب/39]
* نريد منك أن تكون مفتيا يلتف حوله الجميع، يصلح بين طوائف المجتمع وأحزابه. متصديا للعنف الذي أخذ يطل برأسه يمزق أواصر المجتمع، وذلك عن طريق الاعتصام بالكتاب والسنة فهذا هو سبيل النجاة من المناهج والأفكار الهادمة.

*نريد منك أن تحافظ على هيبة دار الإفتاء وعلى هيبة المفتي في قلوب العباد، وهذا لا يتأتى إلا بالتجرد لله، وعدم الخوف إلا منه سبحانه. والاستقامة على منهج الله والتحرر من الضغوط التي من شأنه أن تفسد العملية الإفتائية وتعكر صفوها، سواء أكانت هذه الضغوط ضغوطا سياسية أو ضغوط مجتمعية فهذا كله من الهوى الذي حرم الله اتباعه، قال تعالى:" ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ  إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.."  [الجاثية/18، 19]

*نريد منك التراجع عن الخطأ إذا كان، فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، والحق قديم. والمجتهد لا يخلو حاله من أمرين وهو في كلٍّ مأجور مادام قد سلمت النية.
*نريد منك إصدار ميثاق شرف للإفتاء في الفضائيات، وجمع أهل العلم عليه، حتى تقضي على ظاهرة تضارب الفتاوى، أو الخطأ فيها.
نسأل الله أن يعينك على حمل الأمانة ونسأل الله لك التوفيق والسداد.

من أثر الصلاة في إصلاح حياتنا الاجتماعية والسياسية.

بسم الله الرحمن الرحيم 

في هذه الأيام التي تمر بها بلادنا الحبيبة ما أحوجنا إلى العودة إلى الله تعالى، قارئين لكتابه متدبرين لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لنعلم ما الذي يخرجنا من ورطات الأمور، وهالني ما يلاقيه من يجتهد في إقامة الصلاة حيث ينادى بهن، ولا سيما من كان من أهل المشي في الظلم ملتمسا نور الله يوم القيامة من استهزاء المستهزئين، وسخرية الساخرين.

  والصلاة لها جانب روحي فهي مما تفرج بها الهموم، وقد أرشدنا الله تعالى أنه عندما تشتد الأمور فعلى المسلم أن يفزع إلى الله ويفر إليه، وأن يستعين بالصلاة، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" [البقرة/153] ، وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم: ولقد كان من عظيم شأنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر صلى . رواه أبو داود.  وهناك حلول مادية أودعها الله في الصلاة يُصلح بها حال الإنسان والمجتمع، لأنَّ الصلاة مدرسة يتربى فيها المسلم على مكارم الأخلاق، ونحن إذا فقهنا الدروس التي في الصلاة وطبقناها في حياتنا لوجدنا فيها حلولا للمشاكل التي نعيشها، ففي الجانب السياسي تعلمنا الصلاة كيف نسوسُ الناس، وكيف نُساسُ، فالناس يختارون إمامهم الذي يرتضونه إماما في صلاتهم لربهم، فإذا اختاروه لم يكن لأحدهم أن يساويه في حركات الصلاة، كما يحرم عليه أن يسبقه في حركات الصلاة، فإن مساواة الإمام مكروهة وسبقه حرام، ففي الحديث المتفق عليه: أنه صلى الله عليه وسلم قال:" إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا"، والصلاة تعلمنا كيف يكون التكامل الإنساني فالمسلم يصلي في جماعة، وهذه الجماعة يجب أن  تكون صفوفها متساوية في الصلاة وعليهم أن يسدوا الخلل، وكان الثابت عنه أنه كان يأمر بتسوية الصفوف فيقول:"استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ". رواه مسلم. والمصلي إذا وجد فرجة في الصف فإنه لا يكون سلبيا بل عليه أن يتخذ إجراء إيجابيا بسدِّ هذه الفرجة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف، ومن سد فرجة رفعه الله بها درجة. كما أخرجه ابن ماجه والبيهقي وابن حبان، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. وفي الجانب الاجتماعي تعلمنا الصلاة احترام حقوق الآخرين، فمن يسبق إلى الصف الأول ليس لأحد أن يؤخره عنه، ومن كان أقرأ لكتاب الله فهو المقدم.
       والصلاة تعلم المسلم الالتزام والدقة والانضباط لأنَّ الواجب في الصلاة واجبان: واجب الصلاة نفسها وواجب أدائها في وقتها الذي فرض الله تعالى وبين رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فالذي يصلي الصلاة في غير وقتها يكون قد أدى واجبا واحدا وترك الآخر، ويأثم بإجماع المسلمين إن ترك الصلاة حتى ينقضي وقتها دون عذر. وليس لأحد أن يقدمها أو يؤخرها عن وقتها، وليس لأحد أن يزيد في أركانها شيئا ولا أن ينقص شيئا فهي تعلمنا كيف يكون الانضباط والالتزام. وهناك ابتلاءات على المصلي أن يقاومها في الصلاة، وأشق صلاة على
ومن هذه الابتلاءات استهزاء المستهزئين ممن ختم الله على قلوبهم وأعمى أبصارهم، وقد قال تعالى عن هذا:"وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ  [المائدة/58] فمن لم يعظِّم شعائر الله ولم تسكن تقوى الله في قلبه فإنه يتخذ من الصلاة مادة للاستهزاء، وهؤلاء المستهزئون قد وصفهم الله تعالى بالجنون لأنهم لا عقل لديهم يميز بين صالح الأشياء وفاسدها، وكما قال الرازي: "لو كان لهم عقل كامل لعلموا أن تعظيم الخالق المنعم وخدمته مقرونة بغاية التعظيم لا يكون هزواً ولعباً، بل هو أحسن أعمال العباد وأشرف أفعالهم، ولذلك قال بعض الحكماء : أشرف الحركات الصلاة، وأنفع السكنات الصيام."
والمسلم إذا استشعر هذا في صلاته فإنه يزكي نفسه وتسمو أخلاقه ويصلح حاله، ويعينه الله تعالى، وصدق الله تعالى: "اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ"
والله أعلم.


يريد أن يرتدي الباروكة في العمرة

 سألني أحدهم قائلا:
نويت أداء العمرة ، و أنا أرتدي جزءا من الشعر المستعار يشبه الباروكة على رأسي – فهل يمكن أداء العمرة به – مع العلم أنني لا أخلعه أبدا و لا يمكن لي نفسيا أن أتصور نفسي بدونه؟ و عند قص أو تقصير الشعر فى نهاية العمرة هل أقصره من تحت هذه الباروكة أم ماذا؟؟ وجزاكم الله خيرا

فأجبته قائلا:


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فأيها السائل الكريم هوِّن على نفسك وخفِّف عليها، وارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس، وعن مسألة لبس الباروكة للرجال، فإنه لا يجوز لمن أحرم بالحج أو بالعمرة أن يغطي رأسه فهذا من محظورات الإحرام؛ لأنَّ الإحرام يتطلب عدم تغطية الرأس، وأنك إذا أحرمت بالحج أو العمرة وأنت لابس هذه الباروكة تكون قد ارتكبت محظوراً من محظورات الإحرام، وعليك حينئذ الفدية وهي شاة تذبحها وتوزعها على فقراء الحرم، أو إطعام ستة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام.
  وأيضا هذه الباروكة عائق عند الطهارة؛ لأنها تعد طبقة عازلة أثناء الغُسل, فيجب نزعها أثناء الغُسل وأثناء الوضوء كذلك حتى يصل الماء إلى الرأس.
وأما ما يفعل من حج أو اعتمر ولا شعر له، فإنه يمر الموسى على رأسه استحباباً، ولا يجب عليه ذلك، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، أما إن كان له ثمة شعر فإنه يُقصِّره أو يحلقه.
أما مسألة لبس الباروكة في غير الإحرام فإنَّ في المسألة تفصيل، وذلك لأنَّ لبس الباروكة مبني على حكم وصل الشعر، والوصل من كبائر الذنوب، وقد جاء اللعن في حقِّ النساء، وهو في حق الرجال أوجب، وإنما خصت الأحاديث النساء لأن الغالب وقوع هذا الفعل منهن، فقد ثبت في الصحيح من رواية البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ " ولعن الشيء دليل على تحريمه، وعلل العلماء هذا التحريم لما فيه من تغيير خلق الله، أما إن كانت الباروكة مصنوعة من أشياء صناعية كالألياف مثلا، فإنَّ العلماء قد اختلفوا، فمنهم من حرَّم نظرا للأدلة القاضية بحرمة وصل الشعر، وهناك من أباح نظرا لأنَّ ربط الشعر بالألياف الصناعية لا يُعدُّ وصلا بل هو من الوضع، واللغة العربية تأبى أن تسمي هذا وصلا، وبالتالي لا تنطبق عليه أحكام وصل الشعر- هذا في غير الإحرام بالحج أو بالعمرة.
 والله أعلم.


 

الاثنين، 16 يوليو 2012

من فقه أولويات المسلم في رمضان

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فإن الوقت هو أغلى ما يتملكه الإنسان، وإدارة الوقت واغتنام الفرص هي ما يتميز به الإنسان الناجح، ومن السنن الإلهية في الكون سنة التفضيل مثل تفضيل بعض الأزمنة على بعض، والمسلم دائما يراعى فقه الأولويات، و فقه الأولويات مركب إضافي من كلمتين: أولا الفقه، وهو الفهم مطلقاً. ولا يُقصد بكلمة الفقه المعنى الاصطلاحي الذي هو "العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية"، وإنما هو مطلق الفهم الذي جعله الله شرط بلوغ الخير وتحقق الهدي: "من يُرد الله به خيراً يفقه في الدين". والأولويات، جمع أولى. وأولى في اللغة، أحرى وأجدر ففقه الأولويات هو: "معرفة ما هو أجدر من غيره في التطبيق" وإضاعة الوقت أشد من الموت ـ كما يقول ابن القيم ـ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها.

وقد كان السلف الصالح يحرصون على زيادة أعمالهم الصالحة واستثمار أوقاتهم ، واغتنام ساعات الليل والنهار. قال ابن مسعود رضي الله عنه : ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي. ومن أسباب اغتنام الأوقات التخطيط المسبق للفوز بها، وشهر رمضان منحة ربانية لزيادة الأعمال الصالحة وتكفير الذنوب الماضية فهو شهر صوم نهاره يغفر الله به الذنوب ففي الصحيحين: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا ، غُفر له ما تقدم من ذنبه" وقيام ليله يغفر الله به الذنوب أيضا فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه ) متفق عليه) وقيام ليلة القدر أيضا سبب في مغفرة ذنوب العبد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً ، غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه

والفائز من يدرك جائزة رمضان، والخاسر من يخسر بركة الشهر الكريم، وللفوز بكنز رمضان هناك خريطة لأولويات المسلم في هذا الشهر نذكر شيئا منها في عجالة:

من فقه الأولويات أن يكون المسلم على علم بفقه الصيام وأحكام المفطرات وسنن وآدابه، والعبادات المتعلقة به كزكاة الفطر والاعتكاف والعمرة فالعلم الشرعي هو المصحح للعبادة.

من فقه الأولويات اغتنام شرف الزمان في العبادة فرمضان شهر القرآن وقد كان أمين الوحي جبريل يدارس الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان فعَنْ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ: أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي بِالقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي العَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلاَ أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي» رواه البخاري. لذا كان من عمل الصحابة والسلف الصلح ترك دروس العلم والإقبال على القرآن قراءة وتدبرا وفهما، وقد كان من عادة إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه أنه يفر من دروس العلم إلى القرآن والعبادة في رمضان. وكان من عادتهم أن يزيدوا أورادهم القرآنية في هذا الشهر.

ورمضان شهر القيام فالمسلمون لا يجتمعون على القيام إلا في هذا الشهر فليكن من أولويات الصائح الحرص على صلاة القيام  رجاء حصول ثوابها.

ورمضان شهر الاعتكاف فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا» رواه البخاري.

ومن فقه الأولويات في هذا الشهر الحرص على إطعام الطعام فبإمكان الواحد أن يتحصل على أجر صيام أكثر من رمضان في وقت واحد وذلك عن طريق إفطار الصائمين فقد جاء في الترمذي وابن ماجه: من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً. وقد كان الزُّهْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ يَقُولُ : إِنَّمَا هُوَ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَإِطْعَامُ الطَّعَام.

ومن فقه الأولويات الحرص على الاشتغال بذكر الله طوال اليوم: قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله تعالى فيها ) رواه الطبراني.

ومن فقه الأولويات كثرة المكث في المسجد والإقلال من مخالطة الناس وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَصْحَابُهُ إِذَا صَامُوا جَلَسُوا فِي الْمَسْجِدِ .. وَقَالُوا : نَحْفَظُ صِيَامَنَا !ولا سيما في العشر الأخيرة قال ابن القيّم رحمه الله ( والأفضل في العشر الأخير من رمضان لزوم المسجد فيه والخلوة والإعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والإشتغال بهم, حتى إنه أفضل من تعليمهم العلم وإقرائهم القرآن عند كثير من العلماء.).

ومن فقه الأولويات الحرص على تحصيل ثواب الشهر كاملا واستثمار فضائله من مغفرة للذنوب ، ودعوة الصائم المجابة، وأن أجر الصائم لا يعلمه مقدار إلا الله

ومن فقه الأولويات الحرص على الابتعاد عن كل ما يفسد الأجر والثواب في هذا الشهر، والابتعاد عن مكدرات الصيام من الاشتغال بسفاسف الأمور دون معاليها، أو الوقوع في المنهيات كشهادة الزور والتسمع للكذب والكذابين أو متابعة قنوات الفساد والمجون، وحفظ الجوارح من الآثام لأن الوقوع فيها يضيع أجر الصوم وفي البخاري  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»

والله أعلم.

الاثنين، 28 مايو 2012

التفحيط بالسيارات .. رؤية شريعة


تناقلت وسائل الإعلام صورة بشعة لمصرع شابين وهما يقومان بما يسمى بالتفحيط، وكان عاقبة أمرهما أنهما فقدا حياتهما، وقد ناديت منذ خمس سنين بحرمة هذه العادة السيئة التي انتشرت في ربوع الشباب، فالنفس الإنسانية هي أعز ما يملكه الإنسان عامة والمسلم خاصة، وعلى المسلم أن يستثمر حياته في مرضاة الله وكذلك عليه أن يستثمر موته في مرضاة الله، ودعوة المسلم التقي هي أن ينال الشهادة حتى يحظى بما أعده الله للشهداء مصداقا لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة/111] فالمسلم حياته طاعة وموته طاعة، وإن الخسران المبين هو فقد المسلم لحياته بسبب لعبة محرمة، فاللهم أحينا على طاعتك وتوفنا على طاعتك وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. وأكرر الآن ما قلته سابقا في حرمة التفحيط ليت قومي يعلمون
: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: يقصد بالتفحيط هو ما يقوم به قائد السيارة من ألعاب بهلوانية بالسيارة، وقد ينتهي الأمر بأن يقوم قائد السيارة بقتل نفسه أو قتل غيره بسبب هذه الألعاب الخطرة التي يتعمدها، أو إصابة نفسه أو إصابة غيره، أو إحداث أضرار مادية بما يمتلكه هو أو ما يمتلكه الآخرون. والتفحيط من الأمور المحرمة شرعا، وذلك لما قد يترتب عليه من قتل للنفس وقد قال تعالى: ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) أو قتل للغير بغير حقٍّ، وقد قال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ). كما يحرم إلحاق الأذى بالنفس أو بالغير، قال تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَىالتَّهْلُكَةِ) فإلقاء الأيدي إلى التهلكة يشمل كل ما فيه إهلاك للروح والدين، وكل ما يستوجب عذاب الله يوم القيامة. كما جاء في الحديث الذي أخرجه أخرجه الإمام مالك في الموطأ،والدارقطني،وصحَّحه الحاكم على شرط الإمام مسلم:" لا ضرر ولا ضرار". كما يحرم تعمد إتلاف السيارة وإلحاق الضرر بها، وذلك لأن السيارة نعمة من النعم التي أنعم الله بها على عباده قال تعالى: (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) . 

والنعمة تقابل بشكر المُنعم وصيانتها، ولا تقابل بتعمد إتلافها والإضرار بها. كما أنَّ إتلاف السيارة بهذا التفحيط إتلاف للمال الذي اشتريت به السيارة، وقد بوَّب الإمام البخاري باباً في صحيحه بعنوان بَاب مَا يُنْهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى{ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ }وَ{ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ } روى فيه عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ." والمسلم مسئول أيضًا عن ماله فيما اكتسبه وأين أنفقه كما جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي في سننه عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ." 

وقد جاء في فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء ما نصه : 
( التفحيط ظاهرة سيئة .. يقوم بارتكابها بعض الشباب الهابطين في تفكيرهم وسلوكهم .. نتيجة لقصورٍ في تربيتهم وتوجيههم ، وإهمالٍ من قبل أولياء أمورهم ، وهذا الفعل محرم شرعا، نظراً لما يترتب على ارتكابه من قتلٍ للأنفس وإتلافٍ للأموال وإزعاجٍ للآخرين وتعطيلٍ لحركة السير) . 
والله أعلم.

 * ملحوظة كان النشر الأول لهذه الفتوى في 19-فبراير 2007 على موقع إسلام أون لاين 


الثلاثاء، 22 مايو 2012

يطاقات التخفيض رؤية شرعية


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فبطاقة التخفيض مدفوعة الثمن هي بطاقة يشتريها العميل لكي يتمتع بخصم محدد من أسعار السلع أو الخدمات التي يشتريها، وفي واقعة السؤال نجد أنها بطاقة ثنائية أي بين المتجر والعميل، وهدف هذه البطاقة إيجاد رغبة الشراء عند العميل، وأيضا تحصيل عائد مادي متمثل في قيمة البطاقة التي اشتراها العميل. ومن فوائدها للمتجر أيضا استقطاب عملاء جدد، ودعم العلاقات التجارية بين مقدم البطاقة والمستفيد منها، أما بالنسبة للعميل فإنها ستوفر له السلعة بثمن منخفض، وهذا من المقاصد المعتبرة في العملية الشرائية.
وبطاقة التخفيض مدفوعة الثمن لم تسلم من المحاذير الشرعية التي تقضي بحرمة التعامل بها، ومن هذه المحاذير الشرعية:
المخاطرة: فمن يشتري البطاقة لا يدري حاله هل هو من أصحاب الغنم أو من أهل الغرم؟ فقد يستفيد بالبطاقة ويحصل على كل التخفيضات المقررة عليها فيكون من أهل الغنم، وقد يفوته شيء فيكون من أهل الغرم، وتتفاوت حاله بين الغنم والغرم على قدر انتفاعه من البطاقة، وهذا عين ميسر القمار، وَالتَّمْلِيكَاتُ لاَ تَحْتَمِل هذه المعاملة ، لأَِدَائِهِا إِلَى مَعْنَى الْقِمَارِ، وسمي القمار قمارا لأنَّ كلَّ واحد من المقامرين يجوز أن يذهب ماله لصاحبه ويجوز أن يأخذ مال صاحبه، وقد حرمته الشريعة الغراء، لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة/90]
الغرر : حيث إن المستفيد من هذه البطاقة قد قام بشراء البطاقة بغية الحصول على تخفيض في ثمن السلع التي سيقوم بشرائها في المستقبل أو في ثمن الخدمات، وقيمة التخفيض مجهولة، فمصدر البطاقة ومن اشتراها كلاهما لا يعلم مقدار الخصم الذي سيقدمه هذا إلى ذاك، وقد يحدث أن يمنع مانع صاحب البطاقة من الشراء، وقد يشتري شيئا قليلا أو كثيرا، فهنا جهل تام بعين المبيع، إذ لا يعلم حقيقة قدر ما سيشتريه صاحب البطاقة وقدر ما سيبيعه مقدّم البطاقة فهذا كله يجعل المعاملة فاسدة لما فيها من الغرر والجهل، وقد أتت الشريعة بتحريم الغرر في عقود المعاوضات، فقد جاء في حديث مسلم في صحيحه عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-َعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ.
أكل أموال الناس بالباطل: فإن مقدم الخدمة قد جنى مالا دون أن يقدم سلعة أو خدمة لهذا المال الذي أخذه، فمن اشترى البطاقة قدّم ثمنا دون أن يأخذ مثمنا، وهذا من أكل أموال الناس بالباطل، وقد قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ"  [النساء/29] وقد يقع مشتري البطاقة في الإسراف المنهي عنه شرعا وذلك عندما يضطر لشراء أي سلع لا يريدها حتى لا تضيع عليه البطاقة.
وقد انتهى المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي، في دورته الثامنة عشرة إلى قرار بتحريم التعامل بهذه البطاقات ، ومما جاء فيه : " بعد الاستماع إلى الأبْحاثِ المقدَّمة في الموضوع والمناقشات المستفيضة قرَّر : أولاً: عدم جواز إصدار بطاقات التخفيض المذكورة أو شرائها إذا كانت مقابل ثمن مقطوع أو اشتراك سنوي؛ لما فيها من الغرر؛ فإن مشتري البطاقة يدفع مالاً ولا يعرف ما سيحصل عليه مقابل ذلك؛ فالغرم فيها متحقق يقابله غنم محتمل، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر كما في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه.
ثانياً: إذا كانت بطاقات التخفيض تصدر بالمجان من غير مقابل، فإن إصدارها وقبولها جائز شرعاً؛ لأنه من باب الوعد بالتبرع أو الهبة. ا.هـ
الخلاصة:
أن بطاقة التخفيض مدفوعة الثمن يحرم التعامل بها، أما بطاقة التخفيض المجانية فلا حرج من التعامل بها.
والله أعلم.

الاثنين، 21 مايو 2012

هل يفرق بين الرجل والمرأة في الإسلام؟

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 
فإن الله تعالى ساوى بين الرجل والمرأة في أصل التكليف الشرعي، ووعد الله من أحسن منهما بالجنة، قال تعالى:" مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [النحل/97] وخطاب الله تعالى في القرآن للرجل هو خطاب يشمل المرأة أيضا إلا ما خصص، فالتكاليف الشرعية واحدة في حق الجميع ولكن بالنسبة للأحكام الشرعية سنجد أن معظم أحكام الشرع مطالب بها الرجل والمرأة، فالمرأة تتوضأ مثل الرجل، وتصلي وتصوم وتزكي وتحج ..إلخ ولكن هناك أحكام شرعية يختص بها الرجل نظرا لطبيعة المرأة.
 وهناك أحكام شرعية تختص بها المرأة نظرا لطبيعتها، وهذه التفرقة في الأحكام مردها الاختلاف الطبعي الذي أودعه الله في كل من الرجل والمرأة، وهذا الاختلاف بين الجنسين هو اختلاف تكامل فالمرأة تكمل الرجل، والرجل يكمل المرأة. فمن الأحكام التي خص بها الرجل النفقة لأن طبيعة الرجل الجسمانية تؤهله لأن يكون هو العائل لأسرته، ودليله من الكتاب قوله تعالى:لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7].
 ودليل السنة قوله صلى الله عليه وسلم: ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. ومن أجل أن النفقة واجبة عليه لا عليها كان حظه في الميراث في بعض الحالات أعلى من حقها قال تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء/11] وإن كانت بعض الحالات ترث المرأة فيه مثل الرجل وذلك مثل إذا توفى رجل وترك أماً و أباً و ابناً فإن الأم والأب كل منهما يأخذ السدس، وأحيانا ترث المرأة نصيبا أعلى من الرجل مثال ذلك إذا توفت المرأة و تركت زوجاً و بنتاً فإنَّ البنت ترث النصف و والدها يرث الربع فقط. ومما يختص به الرجل القوامة قال تعالى الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ" [النساء/34] والآية ذكرت سبب كون القوامة للرجل ورجعته إلى سببين الأول وهبي مأخوذ من قوله تعالى:( بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) فالله تعالى فضَّل الذكر على الأنثى والتفضيل سنة إلهية في الكون فقد فضَّل الله بعض الشهور على بعض، وفضل بعض الأيام على بعض، كما فضَّل بعض الملائكة على بعض، وفضَّل أيضا بعض المرسلين على بعض، قال تعالى:" تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ" [البقرة/253] 
وهناك فارق بين تفضيل الجنس وتفضيل جميع الأفراد، فالآية قد فضلت جنس الرجل على جنس المرأة، أما تفضيل جميع الرجال على النساء فلا فقد تفوق امرأة واحدة الرجال.
 وقد تسبق فتاة الرجال في العلم والأدب والأخلاق. وفي هذا يقول المتنبي: فلو كان النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال .
أما السبب الثاني فهو كسبي، يعود إلى الرجل لأن الله أناط به الإنفاق على الأسرة، وهو المقصود من قوله تعالى:(وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) وقد قال تعالى أيضا: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة/228] ومن الأحكام التي يختص بها الرجل الولاية العامة، وإباحة الزواج بأكثر من واحدة حتى أربع نسوة، وأن الطلاق يكون بيده لا بيد المرأة، وأنه يباح له الزواج بكتابية، وأن يسافر منفردا وأن الجهاد قد كتب عليه لا عليها، وكل هذه الأمور عائدة إلى أن الله تعالى خلق الذكر قويا خشنا يتحمل، ومن الأحكام التي تناسب المرأة لرقتها إباحة الذهب والحرير لها بخلاف الرجل فإنه يحرم عليه لبس الذهب والحرير، وأن صلاتها في بيتها خير لها، ولما خلق الله عليه المرأة من الأنوثة أمرها بأن تغطي سائر جسدها عدا الوجه والكفين، قال تعالى:" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب/59] أماعورة الرجل فهي ما بين السرة إلى الركبة عورة، ومما تختص به المرأة من أحكام عائدة إلى أنوثتها أنها تترك الصلاة والصيام أيام عادتها الشهرية فتقضي أيام الصوم، ولا تقضي أيام الصلاة، ولحاجة جنينها لها وكذلك الرضيع أباح لها الشرع ترك الصوم إذا اقتضت الحاجة لمصلحة صغيرها، ولما أودعه الله قلب المرأة من حنان وعاطفة، وسيطرة العاطفة على جنس النساء كانت شهادتهن في الأموال نصف شهادة الرجل، وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى [البقرة/282] 
ويذكر الشيخ محمد عبده السبب في ذلك قائلا: 
المرأة ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات، فلذلك تكون ذاكرتها فيها ضعيفة ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها ، فإنها فيها أقوى ذاكرة من الرجل ، يعني أن من طبع البشر ذكرانا وإناثا أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويكثر اشتغالهم بها ، ولا ينافي ذلك اشتغال بعض نساء الأجانب في هذا العصر بالأعمال المالية فإنه قليل لا يعول عليه ، والأحكام العامة إنما تناط بالأكثر في الأشياء وبالأصل فيها. اهـ وعلى هذا فيمكننا القول بأن الله أعطى كل جنس أحكامه الخاصة التي تليق به وبما أودعه الله فيه من طاقات وصدق من قال: "أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" [الملك/14] 

والله أعلم.


السبت، 12 مايو 2012

من ضوابط خروج المرأة للعمل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فإن الإسلام لم يحرم عمل المرأة، والأصل في عمل المرأة هو الجواز، وأحيانا يتعين على المرأة كما إذا كانت المرأة متعلمة وليس لها من عائل يعولها، وعلى المرأة إذا أرادت أن تخرج من بيتها للعمل أن تلتزم بآداب الشرع الحنيف، من غض البصر لقوله تعالى: "وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ" [النور/31] ، والالتزام بالزي الإسلامي، لقوله تعالى: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور/31]" والحشمة في السير، لقوله تعالى:" وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ" [النور/31] وعدم الخضوع في القول، لقوله تعالى:" فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا" [الأحزاب/32] وعدم الاختلاء بالرجال، وذلك لما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم. وقال صلى الله عليه وسلم: ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان. رواه أحمد والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما. كما روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس بينها وبينه محرم. ومن هذه الشروط أيضا أن يكون اللقاء مقصورا على حاجة العمل فقط دون أن يترتب على هذا العمل أمور أخرى خارج ما يقتضيه العمل. وهناك من أهل العلم من ذهب إلى حرمة عمل المرأة في الأماكن المختلطة عملا بمبدأ سد الذرائع، لا لأن الاختلاط محرم على إطلاقه، فالاختلاط إذا كان منضبطا بالأمور الشرعية لم يحرم، ومن الشروط التي يجب على المرأة أن تتحلى بها في عملها خلق الحياء، ويدل على هذا ما جاء في سورة القصص:" فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ" [القصص/25] فإن مشيتها كانت على استحياء، كما أن قولها كان يلفه الحياء لفًّا.
ويضاف إلى هذه الشروط أن يكون العمل في ذاته مباحا، ويلائم طبيعة المرأة التي فطرها الله عليها، وألا يترتب على هذا العمل ضياع حقوق الدين أو العائلة، فالعمل الذي لا يمكن المرأة من إقامة شعائر دينها يحرم علي المرأة أن تزاوله، كما أن العمل الذي يترتب عليه ضياع أسرته من زوج وأولاد فإنه يحرم على المرأة مزاولته لأن حقوق الزوج والأولاد مقدمة على حقها في مزاولة العمل إن تعارضت الحقوق، وعلى المرأة المتزوجة أن تحصل على إذن زوجها في الخروج للعمل، كما يشترط في العمل أن يحقق نفعا ما؛ لأنَّ العمل الذي لا يحقق أي منفعة يكون عبثا، والمسلم مأمور بالاحتراز عن العبث، كما يشترط في العمل أيضا ألا يؤدي إلى فتنة، وألا يوقع في مفسدة سواء أكانت مفسدة في الدنيا أو الدين، فكل ما كان طريقا للفتن على المسلم أن يتجنبه، فإذا التزمت المرأة كل هذه الشروط وامتنعت عن النواهي كان العمل مباحا وإلا فلا.
 والله أعلم.

الأربعاء، 9 مايو 2012

بين الرفق والعقاب مسافات يقدرها الحكيم


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فإن مسألة تربية الأطفال وتأديبهم، ولا سيما البنات منهن من الأمور التي لا يتسع المقام لبسط الكلام فيها، ولكن نذكر ضابطا عاما معينا في هذا المقام، وهو ما دلنا عليه النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله رفيق يجب الرفق في الأمر كله. وفي رواية : إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه. ، وعنها رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال: إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه. رواه مسلم. وقال أيضاً: ومن يحرم الرفق يحرم الخير كله. رواه مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه. وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس: إن فيك خصلتين يحبهما الله : الحلم والأناة. "والأناة : التثبت وترك العجلة".
فتربية النشء تحتاج من المربي إلى الرفق وإلى الحلم والأناة، وأيضا الحكمة، والحكمة هي وضع الشيء في موضعه، فقد يضطر أحيانا إلى التعنيف ولكن التعنيف الذي يقوي لا التعنيف الذي يهدم، وفي هذا يقول الشاعر العربي الحكيم:
فَقَسا لِيزدَجِروا وَمَن يَكُ حازِماً       فَليَقسُ أَحياناً وَحيناً يَرحَمُ
وفي ضوء القسوة المطلوبة من المربي الحكيم الرحيم نستطيع أن نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر". رواه أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما بإسناد صحيح.
والضرب المقصود في الحديث ليس الضرب الذي يشوه أو يكسر أو يهين بل الضرب الخفيف الذي يقوِّم السلوك وينفع لا الضرب المبرح
وسئل الإمام أحمد عما يجوز فيه ضرب الولد؟ قال: يضرب على الأدب. وقال أيضاً: اليتيم يؤدب، والصغير يضرب ضرباً خفيفاً. وسئل عن ضرب المعلم الصبيان؟ فقال: على قدر ذنوبهم، ويتوقى بجهده الضرب، وإن كان صغيراً لا يعقل فلا يضربه. وذكر ابن الجوزي أن الولد إذا احتيج إلى الضرب ضرب ضرباً غير مبرح. ولا سيما أن العقاب البدني المؤذي يفسد أكثر مما يصلح، وفساده يكون في ضعف الشخصية أو الاستمرار في العناد ويولد الكراهية ويدعو للجنوح لذا وجب على المربي أن يتجنب العقاب البدني المؤذي. وإذا احتاج للعقاب البدني فليكون عقابا خفيفا غرضه عدم تكرار السلوك المعيب، وأن يقتنع الطفل بأنه وقع في خطأ لذا فهو يعاقب.
على أن الأمور لو كانت تعالج بالرفق لتعين الرفق طريقا للعلاج، وإذا تعين الضرب الخفيف طريقا للعلاج كانت الحكمة في استعماله، فالحكمة هي وضع الشيء في موضعه دون إفراط أو تفريط، وننبه على أمر يجب على المربي أن يتحلى به وهو الحلم وعدم الغضب من التصرف الذي يعالجه لأن الغضب يعمي ويصم، والغضب غشاوة تغطي العقل وتدعو صاحبها للانتقام لا المعالجة، فيتحول الأمر من التأديب إلى الانتقام وهذا يأتي بخلاف المقصود من التربية، وقد ينتهي الأمر إلى الفوضى المفسدة لذا وجب علينا أن نحذر من الغضب.
والله أعلم.

السبت، 24 مارس 2012

مما يجب على الفقيه مراعاته


الْحَمْدُ لله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ । والصلاة والسلام على السِّراج المنير صاحب لواء الحمد نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام । وبعد:

فإنَّ الناظر المتدبر للشريعة الإسلامية يجدُ أنَّها صالحة لكل زمان ومكان، وما من واقعة وقعت للناس إلا ولها في الشريعة حكمها، قال تعالى: "وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ" [المائدة/50] فمن خصائص هذه الشريعة شمولها لكل الأزمنة ولكل الأمكنة وجميع أحوال الناس، وبما أنَّ أحداث الزمان لا تنتهي، ووقائعه لا تقف عند حدٍّ معين؛ فإن دور الفقيه حينئذ هو الكشف عن الحكم الشرعي متصورا لمآلات الأفعال مستحضرا للواقع بكلِّ أبعاده، معتمدا على الأصول الفقهية والقواعد الفقهية والأصولية التي حرَّرها العلماء النحارير، فكل هذه الأمور تتضافر وتتساند في تصوير النظرة الفقهية الكُليَّة للمفتي لكي يستنبط الحكم الشرعي للنوازل الحادثة.

ومن الأمور التي يجب على الفقيه مراعاتها:

(‌أ) الضرورة والحاجة، فمن الأصول المقاصدية للشريعة الإسلامية أنها أتت برفع الحرج عن هذه الأمة المرحومة، قال تعالى:(مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ)[المائدة/6] فالشريعة قد أتت برفع المشقة، وكان التيسير من أعظم مناهجها التي أتت به، فكلما ضاق الأمر اتسع، والضرورة تبيح المحظور، كما أنَّ الضرورة تُقدَّر بقدرها.

(‌ب) مراعاة الأعراف والتقاليد، ومراعاة الأماكن عند تنزيل الأحكام، فالمسلم الذي يعيش في البلاد الباردة تتغير أحكامه عن المسلم الذي يعيش في البلاد الحارة، فالمسلم الذي يعيش في البلاد الحارة له أن يعمل ـ على سبيل المثال ـ بسنة الإبراد، بِصلاة الظهر في شدّة الحرّ لحاجته إليها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) رواه البخاري، ويتبع سنة الإبراد بالصلاة سنة الإبراد بالأذان أيضاً؛ لما في حديث أبي رضي الله عنه؛ فبيئات الناس تختلف، وهذا الاختلاف في الأنظمة على الفقيه أن يراعيه في تنزيل الأحكام الشرعية، فما يصلح لقوم من اجتهادات فقهية قد يكون الفساد بعينه إذا أخذه آخرون، والأخذ بالمصلحة ودرء المفسدة لا يتأتى إلا بمراعاة أحوال الناس وأعرافهم.

(‌ج) مراعاة الأزمنة، فمن المعروف أن الفتوى تتغير بتغير الزمان كما تتغير بتغير المكان، فما يصلح في زمن لا يصلح في زمن آخر، وخير مثال على هذا ضالة الإبل، حيث جاء سئل النبي صلى الله عليه وسلم. عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ، فقال صلى الله عليه وسلم.: مَا لَكَ وَلَهَا ؟ دَعْهَا فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا. وقد استمر العمل بهذا النص في عهد سيدنا أبي بكر الصديق والفاروق عمر رضي الله عنهما، فلما أتى زمن سيدنا عثمان بن رضي الله عنه فإنه وجد ـ رضي الله عنه ـ أن المصلحة الشرعية تقضي بالنظر إلى مقصود الحديث وهو حفظ ضالة الإبل لصاحبه، فعمل بمقصود الحديث دون ظاهر نصه، فأمر بالتقاط ضالة الإبل وتعريفها، فإن لم يأت صاحبها باعها، واحتفظ له بثمنها. روى الإمام مالك في الموطأ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: كَانَتْ ضَوَالُّ الإِبِلِ فِى زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِبِلاً مُؤَبَّلَةً تَنَاتَجُ لاَ يَمَسُّهَا أَحَدٌ، حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا، ثُمَّ تُبَاعُ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أُعْطِىَ ثَمَنَهَا([1])

وذلك لأنَّ سيدنا عثمان رضي الله عنه رأي الفساد قد دبَّ في نفوس الناس وخشي على ضالة الإبل من الضياع المبين. وفي صنيع سيدنا عثمان رضي الله عنه حفظ للمال، وهذا هو عين ما قصده الشارع الحكيم। وقد عقد ابن القيم فصلاً في كتابه (إعلام الموقعين) بعنوان:

فصل في تغيّر الفتوى، واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والبيئات والعوائد، ومما قاله في ذلك المقام:‏

‏(هذا فصلٌ عظيمُ النفع جدًا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم في الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم أنَّ الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإنَّ الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجَور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل.. ومن أفتى الناس بمجرد المنقول من الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضلّ وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم مِن جناية مَن طب الناس كلهم ­على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم­ بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل، وهذا المفتي الجاهل أضر ما على أديان الناس وأبدانهم، والله المستعان)([2])


([1]) موطأ الإمام مالك (2/ 227) وبهامشه: تنوير الحوالك للحافظ السيوطي ـ مكتبة المشهد الحسيني- مصر.

([2]) إعلام الموقعين عن رب العالمين المجلد الثاني (3/1) دار الحديث القاهرة.